شريك "اين"

الخميس، 24 نوفمبر 2011

هجرة الأموال من روسيا الواقع والآفاق


هجرة الأموال من روسيا الواقع والآفاق

هجرة الأموال من روسيا الواقع والآفاق
كشف محافظ المصرف المركزي الروسي سيرغي ايغناتيف أخيراً عن أن حجم هجرة رؤوس الأموال من روسيا وصل في الأشهر العشرة الأخيرة إلى 64 مليار دولار، وتوقع ارتفاع هذا الرقم إلى 70 ملياراً حتى نهاية العام الحالي.
 وتوجه هذه المعطيات ضربة كبيرة لجهود الكرملين والحكومة الروسية في محاولات الحد من تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في اقتصاد البلاد، وظاهرة هجرة الأموال العكسية التي برزت بوضوح في السنة الأخيرة، وتجعل العودة إلى معدلات جذب الاستثمارات الأجنبية في فترة ما قبل الأزمة العالمية ضرباً من الخيال، فروسيا جذبت في عام 2008 نحو 70 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وتتصدر هجرة رؤوس الأموال من روسيا أخبار الاقتصاد الكلي في الأشهر الأخيرة، ويُنظر إلى هجرة الأموال كظاهرة  جديدة وشاذة خصوصاً في ظل الارتفاع الكبير لأسعار النفط والخامات. ففي نصف العام الذي سبق الأزمة الاقتصادية العالمية بلغ حجم رؤوس الأموال الواردة إلى روسيا 82 مليار دولار رغم أن أسعار النفط كانت أقل بنحو 15 في المئة فقط من مستواها الحالي.
وتتواصل هجرة رؤوس الأموال على الرغم من تبني السلطات الروسية سياسات وقوانين تسهل عمل المستثمرين الأجانب على الصعيدين الفيدرالي والمحلي، وإكمال التشريعات الناظمة لعمل صندوق استثماري لتقاسم المخاطر مع المستثمرين كان أعلن عنه الرئيس ميدفيديف في منتدى دافوس الاقتصادي بداية العام الحالي، كما وافقت الحكومة على تعديلات في قانون الاستثمار الأجنبي تسهل عمل المستثمرين في مجال الصناعات الغذائية، والطبية، وفي قطاع الخدمات المصرفية، والتنقيب عن الثروات الباطنية.
ورغم كل تلك الإجراءات فإن هجرة الاستثمارات الأجنبية ترتفع بمعدلات أكبر من عاما بعد آخر، فقد تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية في عام 2010، حسب وزارة التنمية الاقتصادية بنحو 13 في المئة إلى (32,7) مليار دولار من (36,8) ملياراً في عام 2009، وتبعث هذه البيانات على خيبة أمل فهي تعاكس المنحى الاقتصادي العام في روسيا، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي بنحو 4 في المئة، وفي التسعة أشهر الأخيرة من العام الحالي بذات المعدل تقريباً.

أسباب هجرة رؤوس الأموال من روسيا

يصعب تفسير هجرة رؤوس الأموال بهذه المعدلات المرتفعة، فمن ناحية تخلت  الحكومة الروسية، والسلطات المحلية عن كثير من الإجراءات التي تعقد دخول الشركات الراغبة بالاستثمار في روسيا، وبدأت بتوفير ظروف مناسبة للراغبين في ضخ أموال في الاقتصاد الروسي، ومن ناحية أخرى يؤكد معظم خبراء الاقتصاد أن تأثيرات أزمة الديون السيادية في أوروبا لن تكون كبيرة على روسيا فحجم دينها لا يتجاوز 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى امتلاك روسيا احتياطات تقدر بنحو 518 مليار دولار حتى منتصف الشهر الحالي.
ومن الأسباب التي يمكن أن تعلل ارتفاع معدلات هجرة رؤوس الأموال عدم تمتع روسيا بمناخ استثماري مناسب، لكن موسكو استطاعت جذب استثمارات في الماضي على رغم أن الظروف كانت أسوأ على صعيد التشريعات والقوانين،
لا يمكن إلقاء اللوم على المخاطر السياسية ومخاوف المستثمرين من تغيرات في النهج الاقتصادي، على أبواب الانتخابات البرلمانية  والرئاسية، فهذه المخاطر غير مبررة أيضاً فالحزب الحاكم والأكثر حظوظا للفوز يشاطر جميع الأحزاب  في طرح برامج لا تناقض السياسات الحالية في مجال الحرية الاقتصادية وحماية الملكية والاستثمارات، كما أن مصير الانتخابات الرئاسية بات شبه مؤكد بانتصار فلاديمير بوتين مدعوما بحزب روسيا الموحدة  الذي يتصدر استطلاعات الرأي بفارق كبير عن الأحزاب التي تليه.
ورغم أن السوق متيقنة من نتائج الانتخابات فإن محللين يشيرون إلى عدم وضوح في السياسة التي يمكن أن تتبعها الحكومة بعد الانتخابات في شأن تشجيع النمو الاقتصادي وعما إذا كانت ستبدأ بانتهاج إصلاحات وفق احتياجات اقتصاد السوق أم تزيد من حجم الإنفاق الحكومي.

وقف نزيف الأموال واقعي أم ضرب من الخيال

ولا تبدو مهمة موسكو في زيادة الاستثمارات الأجنبية صعبة المنال بل واقعية فمازالت روسيا سوقاً استثمارية مربحة، والمستثمرون الغربيون يعرفون واقع الفساد، والبيروقراطية الحكومية، وهم مطلعون على جهود الحكومة لإزالتها، كما أن متطلبات السوق الداخلية، وشبكات بيع التجزئة، والصناعات التحويلية، والغذائية والقطاع المصرفي، والتعدين تبرز من بين القطاعات المغرية للاستثمار.
لكن المطلوب في الدرجة الأولى ومباشرة البدء في إصلاحات منظمة وواضحة، وإقرار تشريعات واضحة وعادلة تنطلق من ضرورة تحسين المناخ الاستثماري، ومن دون ذلك لا يمكن زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة فتحسين مناخ الأعمال وإزالة العقبات من طريق فتح أعمال جديدة يجعل المستثمرين الأجانب والمحليين أكثر ثقة بالسلطات، ولعل المهم هنا هو تخفيف الإجراءات البيروقراطية في المركز والأقاليم، وإيجاد حلول ناجعة لتفشي الفساد والرشوة.
 كما يجب الاهتمام بإعداد كوادر مهنية والربط بين احتياجات الاقتصاد والتعليم، لأن الدراسات تظهر أن أكثر من نصف الروس لا يعملون باختصاصاتهم العلمية، وظهور نقص في الخبرات المطلوبة في قطاع ما على حساب قطاعات أخرى.
ولا يقل أهمية عما سبق اطلاع المستثمرين الأجانب على جميع التشريعات الناظمة للصندوق السيادي الاستثماري الذي أطلقه ميدفيديف لدعم الاستثمارات الأجنبية وتقاسم المخاطر، ومن المقرر أن تبلغ أصول الصندوق المذكر عشرة مليارات دولار يخصص للمشاركة مع المستثمرين الأجانب في مشروعات تهدف إلى تحديث الاقتصاد الروسي. وتخطط الحكومة لتخصيص ملياري دولار لدعم الصندوق في السنة الحالية على أن يتم استكمال تمويله بمعدل ملياري دولار سنوياً في غضون خمس سنوات، ولا ترغب الحكومة في أن تتجاوز حصتها في أي مشروع عن 15 في المئة ما يعني أنه في حال نجاح المخططات فإنها سوف تجذب ما لا يقل عن 70 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة في مجالات الزراعة وحتى صناعة البطاريات الشمسية، ما يخلق نوعاً من التوازن بين في توزيع الاستثمارات.

أي الاستثمارات تحتاج روسيا

تتركز معظم الاستثمارات الأجنبية في روسيا في مجال النفط واالغاز والتعدين وصناعة السيارات، إضافة إلى قطاع  الصناعات الغذائية وتجارة التجزئة الذي يشهد طفرات كبيرة بسبب ارتفاع حجم الاستهلاك الداخلي.
ورغم أن موسكو تسعى إلى جذب استثمارات في مجالات مختلفة لخلق توازن وتسهيل مهمتها في تحديث اقتصادها، فإنه من المتوقع أن تظهر مشكلات في توزع وهيكلية الاستثمارات، فبعد الضربة التي تلقاها قطاع الطاقة الذرية السلمية العالمي على خلفية زلزال اليابان وقرار دول أوروبية التخلي وقف بناء محطات كهروذرية  فمن المرجح أن تزداد الاستثمارات في القطاعات النفطية وخصوصاً في بناء أنابيب نقل الطاقة وهي مشروعات تحظى بتأييد الحكومة عادة، ما يعني زوال أي عقبات في طريق تنفيذها، لكنها تزيد من اعتماد الاقتصاد الروسي على النفط والخامات. كما أن الاستثمار في قطاع الصناعات والتقنيات أقل إغراءا بالنسبة للشركات الأجنبية، لأن المستثمرين يمكن أن يواجهوا صعوبات في التعامل مع الإدارات المحلية في المناطق والأقاليم الروسية.
بقلم سامر الياس ـ "روسيا اليوم"
(المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن مضمونها).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق